يوحنا النقيوسي

237

تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي

صارت الفسطاط المركز الأساسي لمدرسة مصر الدينية ، وذلك لأنها حوت تاج الجوامع أو الجامع العتيق الذي بناه بها عمرو بن العاص سنة 21 ه ، وكان بمثابة مدرسة دينية يتعلم فيه الناس شؤون دينهم ، كما كان مركزا للقضاء ، أي أنه كان بذلك مركزا للحركات العلمية ، لأن الناحية الدينية كانت هي محور العلم في صدر الاسلام ، ويرجع الفضل في ذلك إلى الصحابة الذين تفرقوا في سائر البلدان المفتوحة ، ومن أشهر من كان منهم بمصر هو عبد الله بن عمرو بن العاص ، الذي يعتبره بعض الباحثين مؤسس مدرسة مصر الدينية ومعلمها الأول « 1 » . وبالطبع قد ساعد هذا الاتجاه على سرعة انتشار اللغة العربية في مصر ، بحيث لا سبيل بدونها ، إلى التعرف على الدين الجديد . وكان الاتجاه الثاني من تلك السياسة هو ما يعرف بسياسة الارتباع ، وهي أن العرب كانوا يخرجون من رباطهم في الربيع ويتصلون بالمصريين في الريف وكانت مدة الارتباع تبلغ ثلاثة أو أربعة أشهر من كل عام وهي مدة كافية هيأت للتبائل العربية الفرصة للاتصال بالمصريين والتعرف على أحوالهم وعاداتهم وتقاليدهم من ناحية ، وكانت من أسباب انتشار اللغة العربية بين الشعب المصري من ناحية ثانية . ( ب ) التأثيرات العربية في النص الحبشي : من المعروف أن اللغتين العربية والحبشية تجمعهما مجموعة لغوية واحدة وهي مجموعة اللغات السامية ، كما اصطلح على تسميتها علماء اللغات ، أي أن التقارب اللغوي بينهما أمر طبيعي ، ولكن لا يستبعد هذا أن تتأثر إحداهما بالأخرى . فيلاحظ ، للوهلة الأولى ، من كان عربى اللسان أو من غير العرب ممن على دراية كبيرة باللغة العربية وخصائصها ، أن روح النص الحبشي ، موضوع الدراسة عربية ، ويتضح هذا من احتوائه بين طياته على كثير من مظاهر التأثيرات اللغوية العربية ، التي لم يستطع المترجم الحبشي حيالها أن يعبر عنها باللغة الحبشية ، فلم يسعه إلا أن نقلها كما هي ، ويبدو من بعضها أنه يصعب أن تكون منقولة عن لغة أخرى ، مثل اليونانية أو القبطية مثلا ، في الوقت الذي تبدو فيه بوضوح أنها كتبت أصلا باللغة العربية التي تغلب عليها اللهجة المصرية بما يميزها من سمات لغوية وهي في أول دربها كلغة تأليف في مصر .

--> ( 1 ) سيده إسماعيل كاشف ، المنهج التاريخي لابن عبد الحكم ، دراسات عن ابن عبد الحكم ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1395 ه - 1975 م ، ص 23 .